ابن عجيبة
234
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
للعهد أن يرده إليها ، لما دهمهما من الوجد ، وقال لها الشيطان : يا أم موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى وأغرقته أنت . وبلغها أنه وقع في يد فرعون ، فعظم البلاء ، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ : لتبوح به وتظهر شأنه وأنه ولدها . قيل : لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت ؛ كادت تصيح وتقول : يا ابناه ، وقيل : لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه يقتله ، فكادت تقول : يا ابناه ؛ شفقة عليه . و « أن » مخففة ، أي : إنها كادت لتظهره لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها . والربط : تقويته ؛ بإلهام الصبر والتثبيت ، لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : من المصدقين بوعدنا ، وهو : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ . وجواب « لولا » : محذوف ، أي : لأبدته ، أو : فارغا من الهم ، حين سمعت أن فرعون تبناه ، إن كادت لتبدى بأنه ولدها ؛ لأنها لم تملك نفسها ؛ فرحا وسرورا مما سمعت ، لولا أنا ربطنا على قلبها وثبتناه ؛ لتكون من المؤمنين الواثقين بعهد اللّه ، لا بتبني فرعون . قال يوسف بن الحسن : أمرت أم موسى بشيئين ، ونهيت عن شيئين ، وبشرت ببشارتين ، فلم ينفعها الكل ، حتى تولى اللّه حياطتها ، فربط على قلبها . وَقالَتْ لِأُخْتِهِ مريم : قُصِّيهِ : اتبعى أثره ؛ لتعلمى خبره ، فَبَصُرَتْ بِهِ أي : أبصرته عَنْ جُنُبٍ ؛ عن بعد . قال قتادة : جعلت تنظر إليه كأنها لا تريده ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته ، وأنها تقصه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي للعبد ، الطالب لمولاه ، أن يصبح فارغا من كل ما سواه ، ليس في قلبه سوى حبيبه ، فحينئذ يرفع عنه الحجاب ، ويدخله مع الأحباب ، فعلامة المحبة : جمع الهموم في هم واحد ، وهو حب الحبيب ، ومشاهدة القريب المجيب ، كما قال الشاعر : كانت لقلبى أهواء مفرّقة * فاستجمعت ، مذ رأتك العين ، أهوائى فصار يحسدنى من كنت أحسده * وصرت مولى الورى مذ صرت مولائى تركت للنّاس دنياهم ودينهم * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائى فرّغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار . والأغيار : جمع غير ، وهو ما سوى اللّه ، فإن تلاشى الغير عن عين العبد ؛ شاهد مولاه في غيب ملكوته ، وأسرار جبروته ، وفي ذلك يقول القائل : إن تلاشى الكون عن عين قلبي * شاهد السّرّ غيبه في بيان فاطرح الكون عن عيانك ، وامح * نقطة الغين إن أردت تراني